جريمة التشهير في القانون الجنائي المغربي والعمل القضائي بقلم المحامية جلام جميلة - محامية بهيئة مراكش -

الأستاذة جلام جميلة محامية بهيئة مراكش
المؤلف الأستاذة جلام جميلة محامية بهيئة مراكش
تاريخ النشر
آخر تحديث

 


جريمة التشهير في القانون الجنائي المغربي والعمل القضائي
بقلم: الأستاذة جلام جميلة (محامية بمراكش)
مقدمة
تعتبر حرية التعبير حقاً دستورياً مكفولاً، إلا أنها تقف عند حدود المساس بحقوق الآخرين وخصوصياتهم. في ظل الطفرة الرقمية، برزت جريمة التشهير كظاهرة تؤرق المجتمع، مما دفع المشرع المغربي إلى وضع ترسانة قانونية زجرية لحماية "الحق في الصورة" و"الحق في الحياة الخاصة".

أولاً: التأصيل القانوني لجريمة التشهير
لم يضع القانون الجنائي تعريفاً جامعاً للتشهير، بل عالجه من خلال مقتضيات القذف والسب، وكذا عبر "جرائم المس بالحياة الخاصة" التي أضيفت بموجب القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء.
  1. جريمة القذف (الفصل 442): هي ادعاء واقعة أو نسبتها لشخص أو هيئة، إذا كانت هذه الواقعة تمس شرف أو اعتبار الشخص أو الهيئة التي نسبت إليها.
  2. جريمة السب (الفصل 443): هي كل تعبير شائن أو عبارة تحقير أو قدح لا تتضمن ادعاء واقعة معينة.
  3. المس بالحياة الخاصة (الفصل 1-447): يعاقب بالحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات كل من قام عمداً وبأي وسيلة (بما في ذلك الأنظمة المعلوماتية) بالتقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع أقوال أو معلومات أو صور صادرة بشكل خاص أو سري، دون موافقة أصحابها.

ثانياً: الركن المادي والمعنوي
  • الركن المادي: يتحقق بفعل "النشر" أو "التوزيع" أو "البث". وسواء تم التشهير عبر وسيلة ورقية أو إلكترونية (فيسبوك، واتساب، يوتيوب)، فإن الجريمة تظل قائمة بمجرد وصول المحتوى للغير.
  • الركن المعنوي: جريمة التشهير جريمة عمدية، تتطلب توفر القصد الجنائي، أي علم الجاني بأن الفعل يمس بكرامة الضحية وانصراف إرادته إلى تحقيق ذلك الضرر.

ثالثاً: التشهير في قانون الصحافة والنشر (21.14)
يجب التمييز بين التشهير المرتكب من قبل "صحفي مهني" وبين ما يرتكبه "الأفراد" عبر الحسابات الخاصة. فإذا تم النشر عبر جريدة إلكترونية ملائمة للقانون، تطبق مقتضيات قانون الصحافة والنشر التي تخلو من العقوبات السالبة للحرية (تكتفي بالغرامات والتعويض)، بينما التشهير عبر الوسائط الاجتماعية العادية يخضع للقانون الجنائي الذي يتضمن عقوبات حبسية.

رابعاً: الاجتهاد القضائي المغربي
لعب القضاء المغربي دوراً حيوياً في تفسير نصوص التشهير، ومن أبرز التوجهات:
  1. إثبات الضرر: أكدت محكمة النقض في عدة قرارات أن "العلنية" هي مناط قيام جريمة القذف والتشهير، وأن مجرد إرسال رسالة خاصة لشخص لا يعد تشهيراً ما لم يتم نشرها للعموم.
  2. تكييف الوسيلة الرقمية: استقرت الأحكام مؤخراً (مثلاً قرار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء في ملفات "حمزة مون بيبي") على أن استعمال حسابات وهمية أو مستعارة للتشهير لا يعفي من المسؤولية الجنائية، بل يعتبر ظرف تشديد.
  3. التعويض المدني: يسير القضاء نحو تقدير تعويضات مادية تجبر الضرر المعنوي للضحية، حيث يمكن للمتضرر المطالبة بالتعويض أمام القضاء الزجري (التبعية) أو القضاء المدني.

خامساً: نصائح قانونية لمواجهة التشهير
  1. المعاينة: ضرورة إجراء محضر معاينة من طرف مفوض قضائي للمحتوى المشهر به قبل حذفه.
  2. الشكوى: وضع شكاية لدى السيد وكيل الملك، أو اللجوء إلى "الشكاية المباشرة" أمام رئيس المحكمة الابتدائية.
  3. التبليغ الرقمي: يمكن التبليغ عن المحتويات المسيئة عبر المنصات الأمنية المخصصة للجرائم المعلوماتية.
خاتمة
إن التشهير ليس مجرد "رأي"، بل هو اعتداء مادي ومعنوي يجرمه القانون المغربي بشدة. وحماية لسمعة المواطنين، يبقى الوعي القانوني واللجوء إلى المؤسسات القضائية هو السبيل الوحيد لردع "مشاهير التشهير" وضمان بيئة رقمية آمنة.

إعداد: الأستاذة جلام جميلة
محامية بهيئة المحامين بمراكش

تعليقات

عدد التعليقات : 0