جريمة إهمال الأسرة في التشريع المغربي: مقاربة زجرية لحماية الروابط الإنسانية

الأستاذة جلام جميلة محامية بهيئة مراكش
المؤلف الأستاذة جلام جميلة محامية بهيئة مراكش
تاريخ النشر
آخر تحديث

 

جريمة إهمال الأسرة في التشريع المغربي: مقاربة زجرية لحماية الروابط الإنسانية




بصفتي محامية ممارسة ومدافعة عن الحقوق الأسرية، يسعدني أن أقدم لكم هذا المقال القانوني التحليلي المعمق حول جريمة إهمال الأسرة، مع تسليط الضوء على الإشكالات العملية التي نواجهها في المحاكم المغربية .

بقلم: المحامية جميلة جلام  محامية بهيئة مراكش - المملكة المغربية -
تعتبر الأسرة في الفلسفة القانونية المغربية كياناً مقدساً لا يقبل التهاون. ولأن الالتزامات الأخلاقية قد تضعف أحياناً، تدخل المشرع المغربي عبر ترسانة قانونية حازمة لجعل "الإهمال" ليس مجرد خطأ اجتماعي، بل جريمة جنائية تستوجب العقاب.
أولاً: التأصيل القانوني للجريمة
تجد جريمة إهمال الأسرة سندها في القانون الجنائي المغربي (الفصول 479 إلى 482)، وتتقاطع بشكل وثيق مع مقتضيات مدونة الأسرة. الغاية من تجريم الإهمال هي ضمان تدفق الحقوق المادية والمعنوية من الملزم بها (غالباً الأب أو الزوج) إلى المستحقين لها، حمايةً للمجتمع من التفكك والتشرد.
ثانياً: الصور الحصرية لجريمة إهمال الأسرة
لا يكفي أن "يقصر" الشخص في واجبه ليعاقب جنائياً، بل يجب أن تتحقق إحدى الصور التي حددها القانون بدقة:
  1. الإهمال المادي (الامتناع عن النفقة):
    هي الصورة الأكثر تداولاً في مكاتبنا. تتحقق الجريمة عندما يصدر حكم قضائي نهائي بالنفقة، ويتم تبليغه للمحكوم عليه، ثم يمتنع عن الأداء لمدة تزيد عن شهر واحد. هنا يتحول النزاع من "مدني" إلى "جنحي" تختص به النيابة العامة.
  2. الإهمال المعنوي (هجر مقر الزوجية):
    ينص الفصل 479 على أن الزوج أو الزوجة الذي يترك مقر الزوجية لمدة تزيد عن شهرين بدون سبب مشروع، ويتملص من واجباته المادية والمعنوية، يقع تحت طائلة المساءلة.
  3. إهمال الأطفال والناشئة:
    تتحقق بإهمال الأبوين لواجباتهما تجاه الأطفال (التمدرس، الصحة، الحماية)، أو تعريض سلامتهم الجسدية أو الأخلاقية للخطر، وهو ما ينسجم مع اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها المغرب.
ثالثاً: العقوبات والمساطر 
يعاقب القانون المغربي على هذه الجريمة بالحبس من شهر واحد إلى ستة أشهر وغرامة مالية من 200 إلى 2.000 درهم.
ملاحظة هامة من واقع التجربة:
القانون الجنائي المغربي يتسم هنا بـ "المرونة النفعية"؛ فبموجب الفصل 481، فإن أداء المبالغ المستحقة أو وضع حد للإهمال يوقف المتابعة الجنائية أو تنفيذ العقوبة. الهدف ليس هو سجن المعيل، بل إجباره على الإنفاق وضمان عيش أسرته.
رابعاً: الدفوعات القانونية والإشكالات العملية
كمحامية، غالباً ما نواجه دفوعات من قبيل "العسر المادي" أو "فقدان العمل". وهنا يجب التأكيد على أن المشرع المغربي يعتبر النفقة ديناً ممتازاً، والإعسار يجب إثباته بوسائل قاطعة، وإلا اعتُبر الامتناع "سوء نية" يستوجب العقاب.
كما أصبحت الإجراءات الرقمية عبر بوابة "محاكم" تسهل اليوم عملية تتبع تنفيذ الأحكام والتبليغات، مما يختصر الزمن القضائي في قضايا الأسرة.
خامساً: نصيحة توجيهية
إن اللجوء إلى القضاء الزجري في قضايا إهمال الأسرة يجب أن يكون "آخر الدواء". نحن نشجع دائماً على الوساطة الأسرية، لكن عندما يغيب الوازع الضميري، يظل القانون هو الدرع الذي يحمي الأطفال والزوجات من الضياع.
إذا كنتم تواجهون حالة إهمال، أنصحكم بتوثيق حالة الامتناع عبر مفوض قضائي أولاً، ثم استشارة محامٍ لتقديم شكاية  إلى السيد وكيل الملك لضمان استرجاع الحقوق بفعالية. مكتبنا رهن إشارتكم .


تعليقات

عدد التعليقات : 0